«AI Legal Slop» ووهم السلامة القانونية
الخطر الجديد الكامن في العمل القانوني المُنتَج بالذكاء الاصطناعي
عبدالله سهوان
الشريك الرئيسي
قبل بضعة أشهر، جاء إلينا المدير العام لإحدى المؤسسات البحرينية المرموقة في مرحلةٍ متأخرة من صفقة. كان بصدد الاستحواذ على حصةٍ مسيطرة في منافسٍ محلي، وسعياً منه إلى الكفاءة، كان قد مرّر اتفاقية شراء الأسهم التي اقترحها البائع عبر إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي الشائعة.
بدت مخرجات النموذج لافتةً في ظاهرها. فقد أنتج مذكرةً مُحكمةً ذات نبرةٍ حاسمة، خلصت إلى أن الضمانات نمطية، وأن سقوف التعويضات ضمن نطاق السوق، وأن آليات الإتمام متقنة. وكان حكمه واضحاً: باستثناء أخطاءٍ مطبعية طفيفة، فالاتفاقية متوازنة وجاهزة للتنفيذ.
لم يكن عميلنا قد جاء إلينا لمراجعةٍ كاملة؛ بل لمباركةٍ نهائية سريعة. كان يظنّ أنه يحمل درعاً. والحقيقة أنه كان يحمل ما بات يتحوّل بسرعةٍ إلى أكبر خطرٍ مستجدٍّ في القانون التجاري: «AI slop» — أي المخرجات الواهنة للذكاء الاصطناعي. ملخصٌ قانوني لامع الصياغة، عميق الإقناع، غير صالحٍ على الإطلاق للغرض المنشود — وبصراحة: خطِر.
إن المسافة بين ملخصٍ واثقٍ يُنتجه الذكاء الاصطناعي وبين السلامة القانونية الفعلية هي الميدان الذي سيُحسم فيه العقد المقبل من الممارسة القانونية.
ما لم يكن بمقدور أداة الذكاء الاصطناعي أن تراه — لأنها تقرأ الورق وحده، لا الناس ولا الأسواق — كان نمطاً من الإشارات الصغيرة المحيطة بالشركة المستهدفة. خلال حديثنا، ذكر عميلنا عَرَضاً بضع ملاحظاتٍ بدت له طفيفة: المدير المالي للشركة المستهدفة قد استقال فجأةً قبل أسبوعين دون تفسير. هامشٌ في آخر خطاب إدارة المراجع الخارجي جاءت نبرته غريبةً ومتهرِّبة. والأهمّ: أن الطرف الرئيسي لدى البائع، المعروف بصرامته التفاوضية، قد أبدى مرونةً غير معهودة في جدول سدادٍ ما كان لبائعٍ في سوق المنامة أن يتنازل فيه.
قد تبدو هذه في نظر غير المتخصص مجرد هنّاتٍ تجاريةٍ عابرة. أما في نظر الذكاء الاصطناعي، فلم تكن موجودةً أصلاً. لكنها مجتمعةً تُشكّل تحديداً النمط الذي يتعلّم المستشار القانوني المتمرّس في البحرين أن يقرأه على أنه مؤشّر التزاماتٍ محتملة لم تظهر بعد — التزاماتٍ مصمَّمة، بحكم طبيعتها، لتقع خارج حزمة الضمانات التي باركها النموذج.
لأن السؤال الذي طُرح على الذكاء الاصطناعي كان: «هل هذه الاتفاقية سليمةٌ قانوناً؟»، فأجاب: «نعم». لم يستطع أن يستنبط السؤال الذي كان العميل فعلاً في حاجةٍ إلى إجابته: في ضوء هذه المؤشرات السلوكية المحيطة بالصفقة، ما الانكشاف القانوني الفعلي، وكيف نبني صمام أمانٍ هيكلياً يلتقطه حين يقع؟
لم يكن الجواب إعادة تفاوضٍ مُبهَمة على الضمانات، إذ كانت ستقتل الصفقة وتُفسد علاقاتٍ في سوقٍ ضيّق. بل كان الجواب شريحة دفعاتٍ مشروطة بالأداء (earn-out) مُهندَسةً بعنايةٍ ومرتبطة بالمؤشر ذاته الذي كان النمط يُشير إليه. استغرق التفاوض عليها أسبوعاً. وبعد أحد عشر شهراً من التوقيع، ظهر التزامٌ من النوع الذي كانت الإشارات تُنذر به. وامتصّت الشريحة المشروطة الجزء الأكبر منه دون اضطراب. صمدت العلاقات. وصمدت الصفقة.
ولو كان عميلنا قد وقّع استناداً إلى الضوء الأخضر الذي منحه الذكاء الاصطناعي، لتحمّل الخسارة بأكملها.
تختزل هذه المسألة التحوّل الذي نرصده في المهنة بأسرها. فالذكاء الاصطناعي لم يوفّر على المحامين الوقت، بل حوّل الجهد — نقله من موضعٍ إلى آخر — وبذلك غيّر جذرياً طبيعة ما تُقدّمه المكاتب القانونية في حقيقة الأمر. انتقلنا من مهنةٍ يغلب عليها طابع التنفيذ إلى مهنةٍ يغلب عليها طابع التقدير والحكم، وخمس نتائج باتت تتضح تِباعاً.
١. العمل القانوني ليس مُخرَجاً
إن أخطر ما يُقال عن الذكاء الاصطناعي في الممارسة القانونية ليس أنه عاجزٌ عن إنتاج وثيقة قانونية مقبولة — فهو قادرٌ على ذلك، وبقدرةٍ متزايدة. بل المفهوم المُضلِّل هو الاعتقاد بأن الوثيقة القانونية هي ذاتها العمل القانوني.
فالمذكرة والعقد واللائحة ما هي إلا مُصنَّفات — لقطاتٌ لموقفٍ في لحظةٍ بعينها. أما العمل نفسه فاستراتيجيةٌ تُنفَّذ عبر الزمن: جهدٌ متواصل للإبحار في حقلٍ متحوّل من الاحتمالات، وسلوكيات الأطراف المقابلة، ومواقف الجهات التنظيمية، والنتائج العلائقية، تُعاد معايرته شهراً بعد شهر، وسنةً بعد سنة، مع تطوّر الظروف. بل إن المحامين المخضرمين أنفسهم — من أمضوا عقوداً داخل سوقٍ بعينها — يجدون هذا العمل عسيراً على الإصابة الكاملة. فهو يستلزم قراءة إشاراتٍ لم تظهر بعد، وتوقُّع تحرُّكاتِ أطرافٍ مقابلة لا تُفصح عن حوافزها كاملةً، ومعايرة الضغط بما يلائم مساحات تحمُّل مؤسساتٍ بعينها في اختصاصٍ قضائيٍّ بعينه.
أما نموذج لغوي عام، مُدرَّبٌ على جسمٍ نصيٍّ قانونيٍّ ضخم لكنه غير مُمايَز، فهو غير قادرٍ على إدارة هذا النوع من الاستراتيجية. يستطيع أن يُنتج المُصنَّف، لكنه لا يستطيع قراءة المشهد الذي يقع فيه، ولا البُعد الزمني الذي ستتكشّف عبره المسألة فعلاً. وكلّما بدا المُصنَّف أكثر ثقةً، ازداد إغراء الخلط بينه وبين العمل الحقيقي.
الفخّ هو أن تبدو المخرجات وكأنها العمل. وهي ليست كذلك.
٢. عضلتان متمايزتان: التأطير والتمييز
إن الحكم الرفيع المستوى ليس مهارةً واحدة، بل هو مهارتان متمايزتان، ويُصقَلان بطرقٍ مختلفة.
أولاً — تأطير السؤال. ما المسألة القانونية الفعلية هنا؟ وما حدود البحث فيها؟ لا يملك الذكاء الاصطناعي اطّلاعاً على تاريخ العميل، ولا على مقاصده التجارية غير المُعلنة، ولا على الواقع السياسي الذي يحكم مجلس إدارته. وهو غير قادرٍ على تحديد السؤال الجدير بالإجابة؛ وتلك مَهَمّةٌ إنسانية بامتياز.
ثانياً — التمييز. حين يعرض النموذج خمس استراتيجياتٍ قانونية مقبولة، أيّها الأنسب فعلاً لهذا العميل، في مواجهة هذا الطرف المقابل، في هذا التوقيت بالذات؟ التمييز هو القدرة على غربلة الخيارات في ضوء مخاوف العميل غير المصرَّح بها، ومدى تحمّله للمخاطر، وطبيعة العلاقة على المدى البعيد. فالذكاء الاصطناعي يُقدّم الخيارات، لكن المحامي المخضرم وحده هو من يَملك اتخاذ القرار.
٣. حصانة المعرفة الضمنية
يُقال لنا باستمرار إن الذكاء الاصطناعي يُهدّد «الخبرة»، غير أن الخبرة ليست كلاً واحداً. فالخبرة القابلة للتدوين — كالصياغة النمطية، والبحث الأوّلي، والمراجعة السطحية للوثائق — تتآكل بسرعة، وهذا التآكل لا رجعة فيه.
أما الخبرة الضمنية فهي صنفٌ مختلفٌ تماماً، وهي بمنأى عن هذا التآكل. القدرة على استشعار أجواء القاعة في وساطةٍ متوتّرة. والحدس في معرفة متى تُشير الجهة الرقابية في البحرين إلى المرونة، ومتى تُشير إلى الصرامة. والحكم الذي يُدرك به المحامي متى يدفع بالمفاوضة إلى الأمام، ومتى يُرخي لها زمامها. لا شيء من ذلك يَقبع في قاعدة بيانات، ولا شيء منه يمكن استحضاره بأمرٍ مكتوب.
المكاتب التي ستزدهر خلال العقد المقبل هي تلك التي ستكفّ عن منافسة الآلات على قدرة المعالجة، وتُضاعف استثمارها في ما لا يُعلَّم.
٤. الكلفة المتراكمة لخطأٍ صغيرٍ في التقدير
قلّما يتوقف مصير المسألة القانونية على قرارٍ واحد؛ بل يتوقف على سلسلةٍ من القرارات، كلٌّ منها حكمٌ تقديري، وكلٌّ منها يحمل شظيّةً من المخاطرة. الموقف الافتتاحي في مفاوضات المساهمين. الهيكل المُختار لكيانٍ جديد. التنازل الذي يُقدَّم في جلسةٍ تمهيدية.
وهنا تحديداً يُرجَّح أن يُخطئ الذكاء الاصطناعي — لا على مستوى الوثيقة المنفردة، بل على امتداد المسار الكامل للمسألة. يستطيع النموذج أن يُنتج موقفاً افتتاحياً معقولاً، لكنه لا يرى أن هذا الموقف، مهما بدا رصيناً في ظاهره، قد يُغلق بهدوءٍ باباً للتسوية سيطلبه العميل بعد اثني عشر شهراً. إن الحكم الاستراتيجي بعيد المدى دالّةٌ على خبرةٍ متراكمة داخل منظومةٍ بعينها. وكشف الخطأ قبل وقوعه هو الخبرة المحلية العميقة وهي تؤدي عملها الصامت — وهو الجزء من المحاماة الذي يقف الذكاء الاصطناعي على أبعد مسافةٍ من أن يحلّ محلّه.
٥. وهم التغطية
ثمّة ضربٌ بعينه من الخطر القانوني يبرز اليوم بسرعة، وقد يتبيّن أنه أفدح كلفةً من المخاطر التي تشغل بال أغلب الأعمال حالياً. إنه خطر التصرّف استناداً إلى موقفٍ قانوني يبدو في ظاهره محكم البناء، ويُقرأ قراءةً مقنعة، ويستشهد بالنصوص الصحيحة، ومع ذلك يكون مخطئاً في موضع الأهمية.
الخطر المكشوف مرئيٌّ على الأقل؛ فحين تُدرك الشركة أنها مُعرَّضة، تتصرّف بحذر. أما الخطر الأعمق فهو نقيض ذلك: مذكرةٌ صقيلة أعدّها الذكاء الاصطناعي تُولِّد شعوراً واثقاً بأن المخاطرة قد عُولجت، بينما في الحقيقة يكون التحليل قد أغفل استثناءً تشريعياً حاكماً، أو أساء قراءة المقصد التجاري لشرطٍ من الشروط.
هذا هو وهم التغطية، وهو مُزعزِعٌ على نحوٍ فريد لأنه يُغيّر السلوك. فحين يتسلّح صاحب العمل بما يظنّه موقفاً قانونياً قابلاً للدفاع عنه، يلتزم بهيكلٍ معيّن، أو يوقّع الاتفاقية، أو يتحمّل كلفة مسارٍ ما كان ليسلكه لو أدرك كم هي واهنة الأرض التي يقف عليها.
ونحن نرجّح أن عدداً كبيراً من الأعمال في هذه المنطقة سيتعلّم هذا الدرس بالطريقة الصعبة خلال السنوات القليلة المقبلة. والتحوّط منه ليس بالمزيد من الذكاء الاصطناعي؛ بل بعينٍ قانونية مُدرَّبة تُفرّق بين إجابةٍ حسنة الصياغة وإجابةٍ صحيحة فعلاً — عينٍ تعرف أيّ الأسئلة، في هذا الاختصاص القضائي، لا تملك بعد الجواب الناصع الذي ساقه النموذج بثقة.
المكتب الذي يبقى
ستمضي التقنية في مسارها. وما لن يتغيّر هو أن العميل في موقفٍ عسيرٍ حقّاً يحتاج إلى محامٍ يجلس في مواجهته، ويُدرك ما هو على المحكّ فعلاً، ويتحمّل مسؤولية توصيته.
وذلك هو العمل الذي نبني حوله مكتب سهوان للمحاماة — لا منافسةً للخوارزميات على المخرجات، بل تقديم ما تعجز عنه: التأطير، والتمييز، والحكم بعيد المدى، والتشكيك المُدرَّب الذي يُفرّق بين جوابٍ مُقنِع وجوابٍ صحيح.
هذا المقال شرحٌ عامّ حول الممارسة القانونية في البحرين ودول الخليج ولا يُعدّ استشارة قانونية. إن تطبيق هذه المبادئ على وقائع بعينها يستلزم مشورةً مُفصّلة.
هل تعمل على صفقةٍ أو وثيقة راجعها الذكاء الاصطناعي؟
يمكن لفريقنا تقديم مراجعةٍ مستقلة مبنيّة على الخبرة لأي عمل قانوني أُعِدَّ بمساعدة الذكاء الاصطناعي — عقوداً كان أم مذكرات أم عمليات عناية واجبة — لرصد المخاطر التي لن يراها النموذج.
احجز استشارة