القانون التجاري 12 أبريل 2026

القوة القاهرة في القانون البحريني: إطار عملي للممارسين

عبدالله سهوان

الشريك الرئيسي

تقع القوة القاهرة عند تقاطع الانضباط التعاقدي والمخاطر التجارية؛ فهي نظرية يكثر إدراج أحكامها في العقود تلقائياً، ويلجأ إليها الأطراف بين الحين والآخر، ولكنها نادراً ما تُحلَّل تحليلاً متعمقاً إلى أن يتعثر الأداء فعلاً. وبالنسبة للشركات البحرينية العاملة في نطاق الخليج، تمثل هذه النظرية درعاً وفخاً في الوقت ذاته: درعاً للطرف الذي حالت ظروف خارجة عن إرادته حقيقةً دون تنفيذه التزامه، وفخاً للطرف الذي يُسيء التمسك بها أو يُخلّ بواجبات الإخطار والتخفيف، أو يحاول استخدامها لتغطية مخالفات سبقت وقوع الحادث المُدَّعى. يضع هذا المقال إطاراً عملياً للممارسين حول كيفية عمل القوة القاهرة في القانون البحريني، والحدود التي يُرجَّح أن ترسمها المحاكم حولها، والخطوات العملية التي ينبغي للأطراف التجارية اتخاذها سواء عند صياغة عقودها أو عند التمسك بهذا الدفع أو مواجهته.

ما هي القوة القاهرة في القانون البحريني؟

القوة القاهرة نظرية من نظريات القانون المدني ترتكز على مبدأ أن الطرف لا يُسأل عن عدم التنفيذ إذا كان ناتجاً عن أحداث تتسم بالصفات التالية:

  • الخارجية عن الطرف — أي خارج نطاق سيطرته ومجال مسؤوليته؛
  • عدم التوقع وقت إبرام العقد — أو على الأقل عدم التوقع المعقول؛
  • عدم إمكان الدفع — أي تعذُّر تفاديه بالوسائل المعقولة؛ و
  • العلاقة السببية — أي أن يكون الحدث هو السبب المباشر لعدم التنفيذ.

وهذه العناصر الأربعة متلازمة. وغياب أيٍّ منها يُعدّ في الغالب قاتلاً للدفع.

ويعترف القانون البحريني — في انسجام مع التقليد المدني السائد في دول الخليج — بهذه النظرية كأساس للإعفاء من المسؤولية (فيُعفى الطرف من التعويض عن عدم التنفيذ)، وكأساس — حيث يكون الاستحالة دائمة وكلية — لانقضاء الالتزام ذاته، وهي نتيجة قانونية مستقلة لا ينبغي الخلط بينها وبين مجرد وقف التنفيذ.

ومن الأهمية بمكان أن هذه النظرية تعمل فقط في حال خلو العقد من نظام مخالف. فالعقود التجارية الحديثة تكاد لا تخلو من شرط للقوة القاهرة يُعدِّل أو يُضيِّق أو يُكمِّل الموقف القانوني. وحيث يوجد مثل هذا الشرط، فإنه يكون المرجع الأول؛ ويكون دور القانون المدني سدّ الفراغ التشريعي.

العناصر الأربعة من الناحية التطبيقية

الحدث الخارجي

يجب أن يكون الحدث خارجياً عن الطرف المتمسك بالدفع. فخطأ الموظف، والعجز المالي لأحد المورّدين، وعيوب التصنيع، ونقص العمالة الناشئ عن قرارات التوظيف الخاصة بالطرف نفسه — كل ذلك يُعامَل عادةً كمخاطر تجارية تقع في نطاق مسؤوليته. أما الأحداث التي تُعدّ عادةً خارجية فتشمل الكوارث الطبيعية، والإجراءات التنظيمية الصادرة عن سلطة سيادية، والأعطال واسعة النطاق للبنية التحتية الخارجة عن السيطرة المعقولة للطرف، وكذلك — رهناً بدقة الصياغة — الاضطرابات واسعة النطاق في شبكات النقل واللوجستيات الإقليمية.

عدم التوقع

يجب ألا يكون الحدث متوقَّعاً توقُّعاً معقولاً في وقت إبرام العقد. وهذا العنصر كثيراً ما يكون ساحة المواجهة في النزاعات الحديثة. فالطرف الذي تعاقد في ظل مناخ تعمّ فيه المخاطر الجيوسياسية أو المناخية أو التنظيمية المعروفة سيواجه حجة صعبة في دفعه بأن تجسُّد تلك المخاطر لاحقاً "غير متوقع". والوثائق المعاصرة — من محاضر المجالس، وسجلات المخاطر، وطلبات التأمين — لها أثر مباشر في هذا الشأن.

عدم إمكان الدفع

يجب أن يكون الحدث غير ممكن الدفع بالوسائل المعقولة. وهذا هو ركن التخفيف، وهو الركن الذي تسقط عنده كثير من الدفوع بالقوة القاهرة. إذ يتعيّن على الطرف المتمسك بالدفع أن يُثبت اتخاذه خطوات معقولة لتفادي أثر الحدث ولتقليل نتائجه على الطرف الآخر. فالتمسك السلبي — بأن يُخطِر الطرف ثم يُعلِّق التزاماته دون مزيد — نادراً ما يكفي.

العلاقة السببية

أخيراً، يجب أن تقوم علاقة سببية مباشرة بين الحدث وعدم التنفيذ. فالطرف الذي يرجع تعذُّر تنفيذه في حقيقته إلى عوامل أخرى — من صعوبات تجارية، أو سوء تخطيط، أو إخلال تعاقدي سابق — لا يستطيع إخفاء هذا الإخلال خلف قوة قاهرة لاحقة. وهذا المبدأ قد أكدته أحكام قضائية حديثة في دول الخليج المجاورة، التي قضت بأن حدث الطارئ اللاحق لا يمكن أن يُعيد الحال إلى ما كان عليه قبل إخلال وقع وتقرّر قبل ذلك الحدث.

القوة القاهرة والإخلال السابق

العلاقة بين القوة القاهرة والإخلال السابق هي من أهم جوانب النظرية أثراً وأكثرها شيوعاً في سوء الفهم.

فحيث يكون الطرف قد أخلّ بالتزامه التعاقدي قبل وقوع الحدث المُدَّعى قوةً قاهرة، فإن النظرية لا يمكن التمسك بها لإصلاح ذلك الإخلال السابق أو الإعفاء منه أو تغطيته. فالحدث يعمل مستقبلياً من تاريخ وقوعه؛ ولا يمكنه أن يعود إلى الوراء ليُقوِّم إخلالاً تقرّر بالفعل. فإذا كان المورد قد تأخّر فعلاً في التسليم، أو كان الصانع قد أنتج بضاعة معيبة، أو كان المقاول قد تخلّف عن مواعيد تعاقدية، فإن وقوع حدث معرقل لاحقاً لا يُعيد حقوق الطرف الآخر التي تقرّرت.

وهذا المبدأ — الراسخ في نُظم القانون المدني والمُعزَّز بأحكام استئنافية خليجية حديثة — له آثار عملية حادة. فالعميل الذي يُفكِّر في التمسك بالقوة القاهرة عليه أولاً أن يُجري مراجعة صادقة لموقفه التعاقدي. فإن كانت ثمة مخالفات سابقة، فقد يُسلِّط التمسك بالنظرية الضوء على تلك المخالفات دون أن يُوفِّر الحماية المرجوّة.

ما لا تُعفي منه القوة القاهرة

إلى جانب الإخلال السابق، لا تمتد النظرية إلى ما يلي:

  • المشقة التجارية العادية — من ارتفاع التكاليف، أو تقلُّص الهامش، أو ظهور استخدام بديل أكثر ربحية للأصول المتعاقد عليها. ويعترف القانون البحريني بنظرية مستقلة للمشقة (الظروف غير المتوقعة)، غير أنها أضيق نطاقاً مما يظن كثير من الممارسين، وأثرها التعديل لا الإعفاء.
  • الأحداث المتوقعة — فالأحداث التي يُمكن توقُّعها بصورة معقولة وقت التعاقد، حتى وإن كانت مُزعجة، تُوزَّع من خلال بنود التسعير وتحميل المخاطر في العقد، لا من خلال القوة القاهرة.
  • الالتزامات النقدية — فدفع المال نادراً ما يُعدّ مستحيلاً استحالةً موضوعية. فالنقد قد يكون صعب التوفر أو متأخراً، لكنه يبقى في العادة متاحاً بطريق ما؛ والتمسك بالقوة القاهرة للتهرُّب من الدفع غالباً ما يكون في غير محله.
  • عدم التنفيذ غير المرتبط بالحدث — فركن السببية يستبعد الدفوع التي يكون السبب الحقيقي فيها كامناً في مكان آخر.

صياغة العقود: ما ينبغي أن يتناوله شرط القوة القاهرة الحديث

الشرط المُحكم الصياغة يتجاوز مجرد تعريف الأحداث المُوجِبة للتمسك. وكحدٍّ أدنى، يجب أن يُعالج ما يلي:

  1. الأحداث المُحدَّدة — سواء بتوصيف عام (نهج الشمول)، أو بتعداد محدد (نهج القائمة)، أو عملياً بأسلوب مُختلط. ولكلٍّ مزاياه وعيوبه: نهج القائمة أكثر يقيناً لكنه يُخاطر بالإغفال؛ فيما يمنح النهج العام مرونة أكبر ولكنه يُثير النزاع.
  2. نظام الإخطار — من يُخطِر مَن، وخلال أي مدة، وبأي شكل، ومع أي أدلة داعمة. والإخطار المتأخر أو المعيب من أكثر نقاط الضعف شيوعاً عند التمسك بالدفع.
  3. الالتزامات المستمرة — ما هي الالتزامات التي تبقى قائمة خلال فترة القوة القاهرة (عادةً دفع المبالغ المستحقة، والسرية، والمحافظة على الممتلكات المُسلَّمة، والتعاون في التخفيف).
  4. واجبات التخفيف — نصّ صريح على واجب التخفيف، بما في ذلك واجبات التبليغ والتوثيق التي ستُثبت لاحقاً الامتثال.
  5. توزيع التكاليف — من يتحمّل أيَّ تكاليف خلال فترة التوقف؛ وهل يترتّب على تمديد المدة أي آثار تكلفوية.
  6. عتبة الإنهاء — إذا استمر الحدث بعد فترة مُعرَّفة (عادةً 90 أو 180 يوماً)، يجب أن يكون لأحد الطرفين أو كليهما حق إنهاء صريح، مع تسوية مالية مُحدَّدة.
  7. الحفاظ على الحقوق المكتسبة — بيان صريح بأن الشرط لا يُخلّ بالحقوق التي تقرّرت قبل الحدث، حمايةً من حجة الإصلاح بأثر رجعي المُشار إليها أعلاه.

التمسّك بالقوة القاهرة على الوجه الصحيح

ينبغي للطرف الذي يعتزم التمسك بالنظرية أن يتّبع الخطوات التالية بترتيبها:

  • توثيق الحدث — سجلات معاصرة لما وقع، ومتى، وكيف أثّر في قدرة الطرف على التنفيذ.
  • تقييم السببية بصدق — هل الحدث هو السبب الحقيقي لعدم التنفيذ، أم أن ثمة عوامل أخرى (بما في ذلك إخلال سابق) في الأمر.
  • توجيه إخطار يمتثل للعقد — كتابةً، خلال المدة المُحدَّدة، إلى الجهة الصحيحة، مع الإشارة إلى الأساس التعاقدي.
  • الإبقاء على سجلّ للتخفيف — سجل معاصر بالخطوات المُتَّخذة لتفادي الأثر أو تقليله أو الالتفاف عليه.
  • حفظ الأدلة — من جهود البحث عن بدائل، ومن المراسلات مع الأطراف الأخرى، ومن التكاليف التي تحمّلها الطرف.
  • مراجعة الغطاء التأميني — فكثير من الوثائق التأمينية تستجيب للحدث ذاته، والإخفاق في المطالبة في مواعيدها قد يُسقِط الحق في التعويض.
  • الاستعانة بالمستشار القانوني مبكراً — لا سيما حيث يتقاطع الحدث المُدَّعى مع أي هشاشة تعاقدية سابقة.

الجهات التنظيمية البحرينية ذات الصلة

ينبغي للشركات التي تُفكِّر في اتخاذ موقف من القوة القاهرة أن تكون على علم بالجهات التنظيمية البحرينية التي تمسّ اختصاصاتها التعاقد التجاري:

  • مصرف البحرين المركزي — بالنسبة للأعمال المصرفية والتأمين والاستثمار وأسواق رأس المال، تُرسِّخ لوائح المصرف التزامات الاستمرارية والإفصاح والسلوك التي تبقى قائمة بصرف النظر عن أي تمسُّك بالقوة القاهرة على مستوى العقد.
  • وزارة الصناعة والتجارة — التزامات السجل التجاري والترخيص تستمر ولا تتوقف بسبب قوة قاهرة بين أطراف خاصة.
  • وزارة العمل والتنمية الاجتماعية — عقود العمل يحكمها قانون العمل؛ فالقوة القاهرة بين صاحب العمل وأطراف خارجية لا تترجم تلقائياً إلى إعفاء بموجب عقود الاستخدام.
  • وزارة العدل — لجنة تسوية المشاريع العقارية المتعثرة — هذه اللجنة الدائمة، المنشأة بموجب إطار تسوية المشاريع العقارية المتعثرة، تُوفِّر طريقاً متخصصاً للمطالبات الناشئة عن مشاريع متأخرة أو متوقفة. وينبغي للمطورين والمشترين الذين يُفكِّرون في مواقف تتصل بالقوة القاهرة في سياق عقود البيع على الخارطة أن يكونوا على علم بإجراءات اللجنة ومواعيدها.
  • غرفة البحرين لتسوية المنازعات — بالنسبة للمسائل التي تقع في اختصاصها، تستمر إجراءاتها؛ وينبغي للأطراف النظر في تقديم طلبات لتمديد المواعيد أو وقف الإجراءات بالتوازي مع الإخطار بالقوة القاهرة.

إرشادات عملية للشركات البحرينية

  1. راجع شروط القوة القاهرة في عقودك الآن — قبل وقوع الحدث، لا بعده. وحدِّد الغموض والثغرات ونقاط الضعف في نظام الإخطار.
  2. دقِّق في المخالفات السابقة — أجرِ مراجعة داخلية صادقة قبل أي تمسُّك بالدفع.
  3. افتح سجلّ تخفيف منذ اليوم الأول — فالسجلات المعاصرة ذات وزن إثباتي حاسم.
  4. فكِّر في خطابات التريّث أو التعديل — فالتسوية التجارية المتفق عليها كثيراً ما تكون أفضل وأبقى من تمسُّك بالقوة القاهرة يُعارَض.
  5. راقب التطورات التنظيمية — فالجهات التنظيمية البحرينية تُصدر من حين لآخر إرشادات قد تمسّ الموقف التعاقدي؛ والبقاء مطّلعاً جزء من واجب التخفيف.
  6. نسِّق بين الاستشارة القانونية والتأمينية — فعدم الاتساق بين الموقف التعاقدي والموقف التأميني مصدر متكرر لخسائر يمكن تفاديها.

كيف يمكن لمكتب سهوان للمحاماة مساعدتكم

يقدّم فريقنا المشورة للعملاء في البحرين والمنطقة في صياغة العقود، وتحليل القوة القاهرة، والنزاعات التعاقدية، والتواصل مع الجهات التنظيمية والمحاكم البحرينية. نعمل مع المستشارين الداخليين والمجالس على حلّ الضغوط التعاقدية بصورة بنّاءة حيثما أمكن — ومع القدرة على التقاضي بحزم حيث لا يتوفر الحل. لمناقشة سرية لمسألة تعاقدية بعينها، يُرجى التواصل معنا عبر بيانات الاتصال أدناه.

هذا المقال هو شرح عام للقانون التجاري البحريني ولا يُعدّ استشارة قانونية. إن تطبيق النظرية على أي وقائع معيّنة يتطلب تحليلاً قانونياً خاصاً.

هل تحتاج إلى مساعدة قانونية؟

فريقنا يمكنه مساعدتكم في مراجعة المواقف التعاقدية، وإعداد إخطارات القوة القاهرة أو مواجهتها، والتواصل مع الجهات التنظيمية والمحاكم البحرينية.

احجز استشارة